الطبقة الوسطى في تونس باتت عاجزة امام الارتفاع المهول لأسعار العقارات

 تضاعفت أسعار المساكن في تونس، مرتين تقريبا، منذ الثورة سنة 2011. ورغم أن الطلب على المساكن ما انفك يتقلص، فإن الحصول على مسكن بات مكلفا أكثر فأكثر.
ويعتبر عدد من المحللين، أن هذا التوجه يغذي خطر حدوث أزمة عقارية ذات نتائج وخيمة على البلاد، في السنوات القادمة.

كما أثرت الدوامة التضخمية، أيضا، على معاليم الكراء، التي ارتفعت بدورها، لتجد الطبقة الوسطى نفسها في حالة « ذهول وعجز » تدعو إلى التساؤلات التالية : هل حكم عل التونسي متوسط الدخل التخلّى عن حلمه في امتلاك مسكن؟ وهل أن الباعثين العقاريين مسؤولون عن هذا الوضع، كما تعتقد شريحة واسعة من المجتمع؟ وهل يمكن ل »شبه الاجراءات » التي تقررها الدولة أن تحل المسألة؟ 

تنامي حالة اليأس لدى المواطنين 
أكد موظفان شابان، التقتهما صحفية (وات)، حال خروجهما، من وكالة عقارية، أن حلمهما في امتلاك منزل أصبح صعب المنال بسبب « العرض الباهظ جدا »، رغم ان كل واحد منهما يتقاضى شهريا اكثر من الف دينار.
تقول المرأة الشابة « عندما تباع شقق صغيرة (صالون مع غرفتين) بأكثر من 200 ألف دينار، يمكننا القول إنّ حلم المواطن ذو الدخل المتوسط في اقتناء مسكن لم يعد ممكنا « ، ليتابع مرافقها القول بنبرة مريرة، « لقد وجدنا أنفسنا مجبرين على التخلي عن عامل القرب وأرجو أن لا نضحي بمقاييس أخرى أو نجبر على التوجه الى تسوّغ مسكن » واضطرّ زوجان آخران، لديهما ثلاثة أطفال، الى التخلي عن فكرة امتلاك مسكن رغم ان مجموع دخلهما الشهري يصل الى حوالي 8ر3 آلاف دينار، وعند لجوئهما الى برنامج « المسكن الاوّل »، من أجل اقتناء شقة بقيمة 200 ألف دينار، وجدا نفسيهما مجبرين على دفع قسط شهري بقيمة 1650 دينار لخلاص قرض بنكي، وهو ما اعتبراه فوق طاقتهما المالية بالنظر الى بقية التكاليف والأعباء المالية.

شهادة ثالثة استقتها (وات)، لزوجين شابين، تحصلا على قرض بنكي لشراء مسكن لكن تأخر الباعث العقاري في تسليم الشقة، الذي تزامن مع قرار الترفيع في نسبة الفائدة المديرية، مما أدّى إلى ارتفاع مهم في كلفة القسط الشهري للقرض. وقد جعلهما هذا الامر يتخليان عن اقتناء المسكن لأنهما باتا غير قادرين على تحمل كلفة القرض. 
ولا تعدّ سوق الإيجار أفضل حالا، فقد نشر على أحد المواقع المختصة في الايجار، إعلان لتاجير شقة صغيرة (صالون+ غرفتين) وسط العاصمة، تطلب صاحبتها دون تردد، « ايجارا شهريا قدره 980 دينار ». لكن بمجرد زيارة الشقة، نكتشف أن « حالتها متوسطة للغاية ».
« ألا تظنين، سيدتي، أنها مكلفة بعض الشئ؟ ». تجيب السيدة: « اطلاقا، نظرا لموقعها وسط العاصمة ».

التهاب الأسعار: الباعثون العقاريون يرفضون تحمل أيّ مسؤولية
« عن أيّ طبقة وسطى تتحدثون اليوم؟ « ، هكذا يجيب رئيس الغرفة النّقابية الوطنية للباعثين العقاريين، فهمي شعبان، عند سؤاله عن إمكانيّة حصول الطّبقة الوسطى على مسكنها الخاصّ، ليردف بالقول « ان القدرة الشّرائية لهذه الطّبقة، التي كانت تشكّل حرفائنا الرئيسيين، قد تدهورت بشكل جليّ منذ الثورة، إلى درجة أنّه لم يعد لديها القدرة على الإدّخار أوحتى التّفكير في القيام باقتناءات كبرى ».
ويتابع « قبل 2011، كان عملنا يستند إلى تخطيط للطلب القوي على شراء المساكن والعقارات، لكن اليوم، هذا الطلب غير متوفر، بسبب الزيادة الحادة في الأسعار ».

ويعتبر شعبان، في المقابل، أن الباعثين العقاريين غير مسؤولين عن التهاب الأسعار »بسبب السياق العام بعد الثورة، الذي تميز بالارتفاع الحادّ في أسعار العقارات. لا يمكننا بناء مساكن اجتماعية أو اقتصادية على عقارات تم شراؤها بألفي دينار للمتر المربع الواحد. وهو ما جعل العديد من الباعثين العقاريين يفضلون، اليوم، تشييد المسكن الفاخر، لأن له دوما حرفاءه ويسمح بتحقيق هامش من الربح ».

وتحدّث شعبان، ايضا، عن « وجود دخلاء ومضاربين في سوق العقارات، ممن يشجعون البناءات التجارية علاوة عن ندرة وغلاء الأراضي الصالحة للبناء بسبب تدهور المخزون العقاري للوكالة العقارية للسكنى خاصة في تونس الكبرى وسوسة وصفاقس.
واستغل « افراد  » هذه الوضعية، ليرفعوا بشكل ملموس سعر الأراضي المعدة للسكن ».

ويثير رئيس الغرفة مسألة « زيادة كلفة اليد العاملة والمواد الأولية (انزلاق الدينار وإقرار ضرائب جديدة)، إضافة إلى الارتفاع المتتالي لاسعار المحروقات ومعاليم الطاقة التي توظفها الشركة التونسية للكهرباء والغاز ».
وانتقد توظيف « معاليم إضافية مترتبة عن التأخير الذي يسجله مسدو الخدمات العمومية (الشركة التونسية للكهرباء والغاز والديوان الوطني للتطهير والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه الخ… ) والمرتبط بالحصول على بعض التراخيص ».

وانتقد شعبان، الترفيع المتتالي لنسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي التونسي، التي افضت الى ارتفاع القروض سواء للباعثين أو المواطنين الراغبين في شراء مسكن.
وبينت دراسة أنجزها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، مؤخرا، أن المشاكل المالية تبقى أكبر عائق أمام الأسر، لاتخاذ أي قرار بشراء عقارات، رغم أن 37 بالمائة من الأسر تكسب أكثر من ألف دينار في الشهر.

ووجه شعبان انتقاداته بشأن غياب استراتيجية عمرانية على المدى البعيد، تغطى الخمسين سنة القادمة، والتي يمكن أن توفر للباعثين رؤية اكثر وضوحا حول المشاريع المستقبلية. وقال « كل هذه العوامل مجتمعة، هي مصدر الارتفاع الخطير في أسعار الممتلكات العقارية التي تضاعفت بين 2010 و2019 ».

وتؤكد معطيات المعهد الوطني للإحصاء أن حجم المبادلات العقارية تراجع بنسبة 9,1 بالمائة خلال الربع الثالث من سنة 2018 مقارنة بنفس الفترة من سنة 2017.
ويعود السبب إلى انخفاض مبيعات الشقق بنسبة 21,6 بالمائة، والمنازل بنسبة 8,1 بالمائة، والأراضي المعدة للبناء بنسبة 6,3 بالمائة.
وقال شعبان الذي اعتبر ان مستقبل البعث العقاري أصبح معرضا للخطر » شيد الباعثون سنة 2010 قرابة 16 ألف مسكن.
لكن سنة 2017 لم يشيدوا سوى ما بين 8500 و9000 مسكن. اما سنة 2018 لن نتجاوز 8 آلاف مسكن في أحسن الأحوال وهذا الرقم سيتراجع سنة 2019″.
وطالب شعبان، ضمن الحلول المقترحة، باقرار نسبة فائدة قارة تبلغ 5 بالمائة تتضمن كل المعاليم لاقتناء المساكن بهدف حماية المواطنين ضد ارتفاع الفوائد ». وطالب السلطات بـ »إلغاء رخصة الوالي المفروضة على بيع العقارات إلى الأجانب. هذا الإلغاء لن يكون له أي انعكاس على أسعار العقارات الموجهة للتونسسين ». وقال إن « الجزائريين والليبيين أصبحوا لا يخضعون لأي ترخيص لكن طلباتهم على اقتناء الممتلكات العقارية التونسية ما تزال ضعيفة. لا يجب الاعتقاد بأن الأجانب سيتوقفون في طوابير من أجل شراء الممتلكات في تونس لأن هذا مرتبط أيضا بالاطار العام في البلاد ». ويتابع « في المغرب ولبنان والامارات وتركيا تم إلغاء هذه الرخصة منذ سنوات مما مكن من تنشيط قطاع العقارات بقوة وإنعاش الاقتصاد. وهناك مثل يقول إنه كلما ينتعش قطاع البناء تنتعش كل القطاعات الأخرى ».


اليات السكن « منخرمة » منذ سنة 2000 

ويقول المدير العام للإسكان بوزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية نجيب السنوسي إن « آليات التدخل الموضوعة في قطاع السكن على مر السنين (الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية، والوكالة العقارية للسكنى، شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية ووكالة التهذيب والتجديد العمراني وبنك الإسكان… ) لم تقيم وتراجع في الوقت المناسب، وهو ما جعل المشاكل تطفو على السطح انطلاقا من سنة 2000 في ظل النقص الحاصل في المسكن الاجتماعي ». ويضيف « هذه المشاكل تفاقمت بسبب أزمة الرهن العقاري العالمية التي تسببت في ارتفاع كلفة المواد الأولية على المستوى العالمي مما أثر على مستوى أسعار العقارات ». 
ويعتبر انه « بعد سنة 2011 عاشت البلاد في ظل وضعية مؤسساتية وتشريعية ومالية صعبة للغاية. لم تلعب البلديات أي دور في التصرف في المخزون الحضري وهو ما فتح الباب أمام المضاربة العقارية. ويضاف إلى هذا ارتفاع كلفة المواد الأولية واليد العاملة ».

استراتيجية الاسكان تبقى رهينة المصادقة على القانون الجديد للتهيئة العمرانية 
وبسؤاله عن دور الدولة في هذه الأزمة قال السنوسي إن « وزارة التجهيز شرعت منذ 2014 في القيام بدراسات لوضع استراتيجية جديدة للسكن.
ومكنت هذه الدراسات من تقييم الوضع ورسم ملامح الاستراتيجية الجديدة في هذا المجال والتي تبقى رهينة المسألة العقارية والمصادقة على قانون جديد للتهيئة الترابية الذي لم يرى بعد النور ». 
وأكد بأن « استراتيجية العقود القادمة بإمكانها أن تدخل حيز التنفيذ في بضعة أشهر. هذه الاستراتيجية تمس مختلف مكونات التصرف في المخزون الحضري والعقاري. وهي تخطط أيضا لمراجعة دور الوكالة العقارية للسكنى وتطوير آليات التمويل السكني ».
ويقول « نحن أطلقنا برنامج السكن الأول الذي يعتبر حلا مؤقتا بهدف تسهيل عملية اقتناء السكن للطبقة الوسطى. الصيغة الأولية لهذا المشروع لم تعرف نجاحا كبيرا. وقد تم مراجعتها في جانفي 2019 من أجل توسيع قاعدة الشرائح المعنية وتخفيف شروط سداد القرض المتعلق بالتمويل الذاتي ». ويضيف  » في 31 جانفي 2019، تم تمويل 770 مسكنا عن طريق هذا البرنامج لكننا ننتظر ما يمكن أن تمنحه هذه التسهيلات الجديدة حتى تعطيه نفسا جديدا ».

وبالنسبة إلى سوق إيجار المساكن الذي لا يبدو أنه يخضع لأي مقاييس واضحة، أشار المسؤول إلى أن الاستراتيجية المذكورة تخطط أيضا إلى تشخيص سوق الكراء بالارتكاز على عروض الخواص. ويتمثل توجه الوزارة في إعادة تنظيم العرض الموجه للكراء ودراسة الفرص لتشجيع الباعثين لتشييد منازل مخصصة للكراء وذلك بإقرار مقاييس وشروط وضمانات لازمة.
وبقدر ما تبدو تصريحات المسؤول مطمئنة يبقى انه، غالبا، ما لاتفضى الخطابات « الرنانة » في تونس إلى شيء ملموس.




Partager cette page
LE JOURNAL 13-05-2019
le journal 6-05-2019
LE JOURNAL 29-04-2019
LE JOURNAL 22-04-2019
Courtier Immobilier Financement de l'immobilier Interviews Les Foires Promotion immobilière
Salon #PRO_IMMO 2019
RAMI GHARSALLAH directeur commercial du société SPECTRA
MEDHI LOUATI formateur technique du société LCT
Bricolage Lamasat Santé dans l'immobilier Techniques de jardinage
Comment préparer et semer son gazon ?
Comment protéger contre un choc électrique?
Emission 28:Poser des galets sur le mur et le sol?
Le monde de l'architecture Les techniques de construction Musées du monde Villes du monde
L’univers du granite
Musée d’Art moderne
Toulouse la ville rose